أصبحت التكنولوجيا ميدان المواجهة الأبرز بين الصين والولايات المتحدة، حيث ضخَّت الصين استثمارات هائلة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وشبكات الجيل الخامس. وفي هذا الإطار، برزت DeepSeek باعتبارها شركة صينية جديدة، تأسست عام 2023 كمنافس شرس لشركة OpenAI الأمريكية، مطورة ChatGPT، مما أثار قلقًا كبيرًا داخل الأسواق الأمريكية.
وحذَّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أنَّ صعود التطبيق الصيني \”ديب سيك\” يمثل جرس إنذار للصناعة الأمريكية، وكان قد أعلن الأسبوع الماضي عن قراره بإلغاء بعض القوانين التي وضعها الرئيس جو بايدن لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وذلك بهدف تمكين الشركات الأمريكية من إعادة تركيز جهودها على المنافسة، خصوصًا ضد الصين. كما أكَّد ترامب أنَّ إطلاق التطبيق الصيني يجب أن يدفع الصناعات الأمريكية إلى التركيز بشكل مُكثف على هذا المجال لضمان التفوق.
من جانبه، عبَّر الرئيس التنفيذي لشركة \”أوبن إيه آي\”، سام ألتمان، عن إعجابه بنموذج \”R1\” الذي أطلقته \”ديب سيك\”، مشيرًا إلى أنَّه يقدم إمكانيات فائقة مقارنة بالنماذج الأخرى. ووصف ألتمان الشركة الصينية بأنَّها منافس قوي، معتبرًا هذا الإنجاز مصدر إلهام، لكنَّه أكَّد أنَّ \”أوبن إيه آي\” ستُسَرِّع من إطلاق منتجاتها المستقبلية استجابة لهذه التطورات، مع التركيز على تعزيز القدرات الحاسوبية باعتبارها مفتاح النجاح في هذا المجال.
المواجهة بين الصين وأمريكا
من جانبه، يقول الدكتور وليد حجاج خبير أمن المعلومات: \”تدور المواجهة بين الصين والولايات المتحدة حول السيطرة على الاقتصاد العالمي؛ حيث تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها، بينما تسعى الصين لتوسيع نفوذها عبر استثمارات ضخمة، أبرزها \”مبادرة الحزام والطريق\” التي تهدف إلى بناء شبكة تجارية وبنية تحتية تربط الصين بأوروبا وآسيا وأفريقيا، وهذا المشروع يُعزز النفوذ الصيني عالميًا ويمنحها قدرة على التحكم في طرق التجارة الدولية\”.
وأضاف حجاج في تصريحات خاصة لـ\”Econ-Pedia\” أنّ شركة DeepSeek نجحت في إحداث هزة في سوق التكنولوجيا العالمي، حيث تسببت في خسائر ملحوظة لأسهم شركات أمريكية كبرى، من بينها \”إنفيديا\” التي تعد رائدة في صناعة الرقائق الإلكترونية المستخدمة في الذكاء الاصطناعي. ومن الجدير بالذكر أنَّ الصين تمكنت من استخدام رقائق NVIDIA القديمة وتطويرها لإنشاء تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة، مما أدى إلى تراجع أسهم الشركة الأمريكية بنسبة 5%.
كيف تجاوزت الصين الحظر التكنولوجي الأمريكي؟
فرضت الولايات المتحدة قيودًا صارمة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتطورة إلى الصين، في محاولة لإبطاء تقدمها في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أنّ الصين واجهت هذا الحصار بطريقة ذكية، حيث استخدمت الرقائق القديمة وأعادت تطويرها، محققةً نتائج مذهلة. هذا الأسلوب يمكن تشبيهه بتحويل سيارة قديمة إلى سيارة رياضية متطورة باستخدام مكونات بديلة، مما يظهر مرونة وقدرة الصين على الابتكار حتى في ظل العقوبات.
وفي هذا السياق، أكَّد الخبير أن الصين تثبت يومًا بعد يوم أنَّها قادرة على تحويل التحديات إلى فرص مستخدمة استراتيجيات اقتصادية وتكنولوجية بارعة لمواجهة العراقيل التي تضعها الولايات المتحدة. ومع استمرار هذا التنافس، سيظل الاقتصاد العالمي يشهد تحولات كبيرة، حيث تسعى الصين إلى تعزيز مكانتها كقوة اقتصادية رائدة، بينما تحاول الولايات المتحدة الدفاع عن هيمنتها.
ويرى الخبير أنَّ الصراع بين الصين والولايات المتحدة في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا لن يتوقف قريبًا، بل سيزداد شراسة مع مرور الوقت. وبينما تحاول الولايات المتحدة كبح جماح الصين من خلال العقوبات، تستمر بكين في إيجاد حلول إبداعية تُعزز مكانتها.
هذا التنافس سيُحَدِّد من سيكون القائد الاقتصادي والتكنولوجي للعالم خلال العقود القادمة، وهو أمر ستكون له تأثيرات مباشرة على الأسواق، والشركات، وحتى المستهلكين حول العالم.
اقرأ أيضًا: بالضربة القاضية DeepSeek يهزم عمالقة التكنولوجيا
كيف تعمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي؟
من جانبه، يقول الدكتور يُسري زكي خبير تكنولوجيا المعلومات: \”مع اشتداد المنافسة بين الصين وأمريكا في الذكاء الاصطناعي، تبرز تساؤلات حول كيفية عمل هذه التطبيقات، خاصةً من حيث قدرتها على محاكاة التفكير البشري واتخاذ قرارات ذكية\”.
وأوضح الخبير في تصريحات خاصة لـ\”Econ-Pedia\” أنّ تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعتمد على نماذج اللغة الضخمة التي تُمَكِّنُها من فهم الأوامر وإنشاء نصوص تشبه تلك التي يكتبها البشر، وذلك عبر التعلم من كميات هائلة من البيانات.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يمثل ثورة في عالم التكنولوجيا، إلَّا أنَّه لا يزال يواجه تحديات، مثل تقديم ردود غير دقيقة أحيانًا، ما يستدعي تحسين المدخلات وضبط المخرجات لتقليل الأخطاء. كما أنَّ عملية تدريب هذه النماذج تتطلب كميات هائلة من البيانات واستهلاكًا ضخمًا للطاقة، ما يشكل تحديًا إضافيًا أمام تطويرها.
التأثير على السوق الأمريكية وردود الفعل
وصف زكي تطبيق \”ديب سيك\” بأنّه كان بمثابة زلزال في عالم الذكاء الاصطناعي حتى داخل الأسواق الأمريكية، وأوضح أنَّ الصين تمكنَّت من تطوير نموذج قوي بميزانية أقلّ بكثير من النماذج الأمريكية، إذ تم بناء \”ديب سيك\” بتكلفة خمسة ملايين دولار فقط، في حين تنفق الشركات الأمريكية ما بين 60 و80 مليون دولار لتطوير نماذج مماثلة.
وأشار إلى أنَّ تكلفة تشغيل \”ديب سيك\” أقلّ بنسبة 96% مقارنةً بالموديلات الأمريكية، مما أثر بشكل كبير على سوق أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، حيث شهدت شركات مثل \”إنفيديا\” تراجعًا في قيمتها السوقية.
ومن ناحية أخرى، نفى زكي أن تكون مجانية التطبيق هي السبب الرئيس في شعبيته الكبيرة، مشيرًا إلى أنَّ \”ديب سيك\” لم يكتفِ بتوفير تطبيق فقط، بل جعل النموذج نفسه مفتوح المصدر، مما يعني أنَّ أيّ شركة أو فرد يُمكنه تحميله وتشغيله على خوادمه الخاصة، مما يُقلل التكاليف التشغيلية بشكل كبير مقارنة بخدمات \”أوبن إيه آي\”.
وأكَّد أنّ هذه الخطوة تُمثل ضربة قوية للشركات الأمريكية التي تعتمد على نموذج الربح من خلال بيع الوصول إلى نماذجها، بينما تقدم الصين التقنية نفسها بشكل مجاني، مما يعزز من انتشارها عالميًا ويزيد من المنافسة.
كيف تستفيد الصين من هذه التقنية؟
بحسب الخبير، فإنَّ الصين تستفيد من نشر تقنياتها للعالم بطريقتين؛ الأولى من خلال تعزيز نفوذها التكنولوجي عالميًا، والثانية عبر خلق تحدٍ مباشر للشركات الأمريكية، مما يدفعها إلى تحسين خدماتها. ورغم أنَّ فتح المصدر يمنح جميع الدول فرصة للاستفادة من التقنية، إلَّا أنَّه في الوقت نفسه يُعزز مكانة الصين كمركز رئيس للابتكار في هذا المجال.
وأوضح أنَّ الحكومات قد تتدخل للحد من انتشار التكنولوجيا الصينية، كما حدث مع \”تيك توك\”، لكن ترامب أكَّد أنَّه يرى في هذه المنافسة فرصة لدفع الشركات الأمريكية نحو الابتكار، على غرار ما حدث في سباق الفضاء مع الاتحاد السوفييتي.
كما أكَّد أنَّ إتاحة هذه التقنيات كمصدر مفتوح تعني أنَّ أي دولة يمكنها الاستفادة منها دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة، وهذا يفتح الباب أمام الدول النامية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل التعليم والصحة وإدارة الشركات، مما يعزز من تطور الاقتصاد الرقمي عالميًا.
قد يهمّك أيضًا: هل يصبح الذكاء الاصطناعي شريك الحياة المثالي؟








